المطعم بن عدي المذكور على كفره أيضا فعند عدم قبول أبي طالب ما أرادوه اشتد الأمر.
و لما رأى أبو طالب من قريش ما رأى دعا بني هاشم، و بني المطلب إلى ما هو عليه من منع رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم) و القيام دونه فأجابوه إلى ذلك، غير أبي لهب فكان من المجاهرين بالظلم لرسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم) و لكل من آمن به، و توالى الأذى من قريش على رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم) و على من أسلم معه.
فما وقع لرسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم) من الأذية ما حدث به عمه العباس رضي اللّه تعالى عنه قال: كنت يوما في المسجد فأقبل أبو جهل فقال: للّه عليّ إن رأيت محمدا ساجدا أن أطأ عنقه، فخرجت إلى رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم) فأخبرته بقول أبي جهل فخرج غضبان حتى دخل المسجد، فعجل أن يدخل من الباب فاقتحم من الحائط، و قرأ: اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ (1) خَلَقَ الْإِنْسانَ مِنْ عَلَقٍ (2) [العلق: الآية 1- 2] حتى بلغ شأن أبي جهل كَلَّا إِنَّ الْإِنْسانَ لَيَطْغى (6) أَنْ رَآهُ اسْتَغْنى (7) [العلق: الآية 6 و 7] إلى أن بلغ آخر السورة سجد، فقال إنسان لأبي جهل يا أبا الحكم، هذا محمد قد سجد، فأقبل إليه ثم نكص راجعا، فقيل له في ذلك، فقال أبو جهل: أ لا ترون ما أرى، لقد سد أفق السماء عليّ. و في رواية: رأيت بيني و بينه خندقا من نار، و سيأتي أن قوله تعالى:
أَ رَأَيْتَ الَّذِي يَنْهى (9) عَبْداً إِذا صَلَّى (10) [العلق: الآية 9 و 10] إلى آخر السورة نزل في أبي جهل.
و من ذلك ما حدث به بعضهم قال: ذكر أن أبا جهل بن هشام قال يوما لقريش: يا معشر قريش إن محمدا قد أتى إلى ما ترون من عيب دينكم و شتم آلهتكم و تسفيه أحلامكم و سب آبائكم إني أعاهد اللّه لأجل له يعني النبي (صلى اللّه عليه و سلم) غدا بحجر لا أطيق حمله، فإذا سجد في صلاته رضخت به رأسه فأسلموني عند ذلك أو امنعوني، فليصنع بي بعد ذلك بنو عبد مناف ما بدا لهم، قالوا و اللّه لا نسلمك لشيء أبدا، فامض لما تريد، فلما أصبح أبو جهل أخذ حجرا كما وصف ثم جلس لرسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم) ينتظره، و غدا رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم) كما كان يغدو إلى الصلاة: أي و كانت قبلته (صلى اللّه عليه و سلم) إلى الشام إلى صخرة بيت المقدس، فكان يصلي بين الركن اليماني و الحجر الأسود و يجعل الكعبة بينه و بين الشام على ما تقدم، و قريش جلوس في أنديتهم و هم ينتظرون ما أبو جهل فاعل، فلما سجد رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم) احتمل أبو جهل الحجر ثم أقبل نحوه، حتى إذا دنا منه رجع منهزما منتقعا لونه: أي متغيرا بالصفرة مع الكدرة من الفزع و قد يبست يداه على حجره حتى قذفه من يده: أي بعد أن عالجوا فكه من يده فلم يقدروا كما سيأتي، و قامت إليه رجال من قريش و قالوا: ما لك يا أبا الحكم؟ قال: قمت إليه لأفعل ما قلت لكم البارحة، فلما دنوت منه عرض لي فحل