responsiveMenu
فرمت PDF شناسنامه فهرست
   ««صفحه‌اول    «صفحه‌قبلی
   جلد :
صفحه‌بعدی»    صفحه‌آخر»»   
   ««اول    «قبلی
   جلد :
بعدی»    آخر»»   
نام کتاب : تفسير المنار نویسنده : رشيد رضا، محمد    جلد : 5  صفحه : 205
وَالرُّمْحُ بِالرُّمْحِ "، وَهَذِهِ كَلِمَةٌ جَلِيلَةٌ، فَالْقَوْلُ وَعَمَلُ النَّبِيِّ وَأَصْحَابِهِ كُلُّ ذَلِكَ دَالٌّ عَلَى أَنَّ الِاسْتِعْدَادَ يَخْتَلِفُ بِاخْتِلَافِ حَالِ الْعَدُوِّ وَقُوَّتِهِ.
أَقُولُ: تَعَرَّضَ الرَّازِيُّ هُنَا لِمَسْأَلَةِ الْقَدَرِ وَمَا عَسَى أَنْ يُقَالَ مِنْ عَدَمِ نَفْعِ الْحَذَرِ وَكَوْنِهِ عَبَثًا، قَالَ: وَعَنْهُ قَالَ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ: الْمَقْدُورُ كَائِنٌ وَالْهَمُّ الْفَضْلُ، وَقِيلَ أَيْضًا: " الْحَذَرُ لَا يُغْنِي مِنَ الْقَدَرِ "، فَنَقُولُ: إِنْ صَحَّ هَذَا الْكَلَامُ بَطُلَ الْقَوْلُ بِالشَّرَائِعِ ; فَإِنَّهُ يُقَالُ: إِذَا كَانَ الْإِنْسَانُ مِنْ أَهْلِ السَّعَادَةِ فِي قَضَاءِ اللهِ وَقَدَرِهِ فَلَا حَاجَةَ إِلَى الْإِيمَانِ، وَإِنْ كَانَ مِنْ أَهْلِ الشَّقَاوَةِ لَمْ يَنْفَعْهُ الْإِيمَانُ وَالطَّاعَةُ، فَهَذَا يُفْضِي إِلَى سُقُوطِ التَّكْلِيفِ بِالْكُلِّيَّةِ، وَالتَّحْقِيقِ فِي الْجَوَابِ أَنَّهُ لَمَّا كَانَ الْكُلُّ بِقَدَرٍ كَانَ الْأَمْرُ بِالْحَذَرِ أَيْضًا دَاخِلًا فِي الْقَدَرِ، فَكَانَ قَوْلُ الْقَائِلِ: " أَيُّ فَائِدَةٍ فِي الْحَذَرِ " كَلَامًا مُتَنَاقِضًا لِأَنَّهُ لَمَّا كَانَ الْحَذَرُ مُقَدَّرًا فَأَيُّ فَائِدَةٍ فِي هَذَا السُّؤَالِ الطَّاعِنِ فِي الْحَذَرِ؟ انْتَهَى كَلَامُ الرَّازِيِّ.
أَقُولُ: إِنَّ الْمُسْلِمِينَ قَدِ ابْتُلُوا بِمَسْأَلَةِ الْقَدَرِ كَمَا ابْتُلِيَ بِهَا مَنْ قَبْلَهُمْ، وَقَدْ شُفِيَ غَيْرُهُمْ مِنْ سُمِّ الْجَهْلِ بِحَقِيقَتِهَا، فَلَمْ يَعُدْ مَانِعًا لَهُمْ مِنَ اسْتِعْمَالِ مَوَاهِبِهِمْ فِي تَرْقِيَةِ أَنْفُسِهِمْ وَأُمَّتِهِمْ، وَلَمَّا يَشْفِ الْمُسْلِمُونَ، وَقَدْ كَشَفْنَا الْغِطَاءَ عَنْ وَجْهِ الْمَسْأَلَةِ غَيْرَ مَرَّةٍ وَلَمْ نَرَ بُدًّا مَعَ ذَلِكَ مِنَ الْعَوْدِ إِلَيْهَا فِي مِثْلِ هَذَا الْمَوْضِعِ، لَا لِأَنَّ مِثْلَ الرَّازِيِّ ذَكَرَهَا بَلْ لِأَنَّ الْمُسْلِمِينَ أَمْسَوْا أَقَلَّ النَّاسِ حَذَرًا مِنَ الْأَعْدَاءِ، حَتَّى إِنَّ أَكْثَرَ بِلَادِهِمْ ذَهَبَتْ مِنْ أَيْدِيهِمْ وَهُمْ لَا يَتُوبُونَ وَلَا يَذْكُرُونَ، وَلَا يَتَدَبَّرُونَ أَمْرَ اللهِ فِي هَذِهِ الْآيَةِ وَمَا فِي مَعْنَاهَا وَلَا يَمْتَثِلُونَ، ثُمَّ إِنَّكَ إِذَا ذَكَرْتَهُمْ يَسُلُّونَ فِي وَجْهِكَ كَلِمَةَ الْقَدَرِ، وَمِثْلَ الْحَدِيثَيْنِ اللَّذَيْنِ ذَكَرَهُمَا الرَّازِيُّ.
أَمَّا حَدِيثُ: الْمَقْدُورُ كَائِنٌ إِلَخْ، فَلَا أَذْكُرُ أَنَّنِي رَأَيْتُهُ فِي كُتُبِ الْمُحَدِّثِينَ بِهَذَا اللَّفْظِ، وَلَكِنْ رَوَى الْبَيْهَقِيُّ فِي الشُّعُبِ وَالْقَدَرِ مَرْفُوعًا: لَا تُكْثِرُ هَمَّكَ مَا قُدِّرَ يَكُنْ وَمَا تُرْزَقُ يَأْتِكَ وَهُوَ ضَعِيفٌ، وَأَمَّا الْحَدِيثُ الثَّانِي الَّذِي عَبَّرَ عَنْهُ بِقَوْلِهِ: " وَقِيلَ أَيْضًا " فَقَدْ رَوَاهُ الْحَاكِمُ عَنْ عَائِشَةَ بِلَفْظِ: لَا يُغْنِي حَذَرٌ مِنْ قَدَرٍ وَصَحَّحَهُ وَمَا أَرَاهُ يَصِحُّ، وَتَسَاهُلُ الْحَاكِمِ فِي التَّصْحِيحِ مَعْرُوفٌ، وَالرَّازِيُّ لَيْسَ مِنْ رِجَالِ الْحَدِيثِ وَلَكِنَّهُ رَأَى بِالْعَقْلِ أَنَّهُ مُخَالِفٌ لِلْآيَةِ أَوْ مُضَعَّفٌ مِنْ تَأْثِيرِ الْأَمْرِ فِيهَا، وَكَيْفَ يَقُولُ اللهُ: خُذُوا حِذْرَكُمْ، وَيَقُولُ رَسُولُهُ: إِنَّ الْحَذَرَ لَا يَنْفَعُ لِأَنَّ الْعِبْرَةَ بِالْقَدَرِ الَّذِي لَا يَتَغَيَّرُ!
وَإِنِّي عَلَى اسْتِبْعَادِي لِصِحَّةِ الْحَدِيثِ، وَمَيْلِي إِلَى أَنَّهُ مِنْ وَضْعِ الْمُفْسِدِينَ الَّذِينَ
أَفْسَدُوا بَأْسَ الْأُمَّةِ بِأَمْثَالِ هَذِهِ الْأَحَادِيثِ، أَقُولُ: إِنَّهُ لَا يُنَاقِضُ الْآيَةَ، فَإِنَّ اللهَ أَمَرَنَا بِالْحَذَرِ لِنَدْفَعَ عَنَّا شَرَّ الْأَعْدَاءِ وَنَحْفَظَ حَقِيقَتَنَا لَا لِنَدْفَعَ الْقَدَرَ وَنُبْطِلَهُ، وَالْقَدَرُ عِبَارَةٌ عَنْ جَرَيَانِ الْأُمُورِ بِنِظَامٍ يَأْتِي فِيهِ الْأَسْبَابُ عَلَى قَدْرِ الْمُسَبَّبَاتِ، وَالْحَذَرُ مِنْ جُمْلَةِ الْأَسْبَابِ، فَهُوَ عَمَلٌ بِمُقْتَضَى الْقَدَرِ لَا بِمَا يُضَادُّهُ.

نام کتاب : تفسير المنار نویسنده : رشيد رضا، محمد    جلد : 5  صفحه : 205
   ««صفحه‌اول    «صفحه‌قبلی
   جلد :
صفحه‌بعدی»    صفحه‌آخر»»   
   ««اول    «قبلی
   جلد :
بعدی»    آخر»»   
فرمت PDF شناسنامه فهرست