responsiveMenu
فرمت PDF شناسنامه فهرست
   ««صفحه‌اول    «صفحه‌قبلی
   جلد :
صفحه‌بعدی»    صفحه‌آخر»»   
   ««اول    «قبلی
   جلد :
بعدی»    آخر»»   
نام کتاب : تفسير المنار نویسنده : رشيد رضا، محمد    جلد : 2  صفحه : 54
فَعَبَدُوهُمْ، فَالْآيَاتُ النَّاطِقَةُ بِأَنَّهُمْ إِذَا سُئِلُوا: مَنْ خَلَقَ
كَذَا وَكَذَا؟ يَقُولُونَ: اللهُ، كَثِيرَةٌ، وَقَالَ فِيهِمْ مَعَ ذَلِكَ: (وَيَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللهِ مَا لَا يَضُرُّهُمْ وَلَا يَنْفَعُهُمْ وَيَقُولُونَ هَؤُلَاءِ شُفَعَاؤُنَا عِنْدَ اللهِ) (10: 18) وَقَالَ أَيْضًا: (وَالَّذِينَ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ أَوْلِيَاءَ مَا نَعْبُدُهُمْ إِلَّا لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللهِ زُلْفًى) (39: 3) أَيْ: يَقُولُونَ مَا نَعْبُدُهُمْ إِلَخْ.
وَالْأَنْدَادُ عِنْدَ جُمْهُورِ الْمُفَسِّرِينَ أَعَمُّ مِنَ الْأَصْنَامِ وَالْأَوْثَانِ، فَيَشْمَلُ الرُّؤَسَاءَ الَّذِينَ خَضَعَ لَهُمْ بَعْضُ النَّاسِ خُضُوعًا دِينِيًّا، وَيَدُلُّ عَلَيْهِ الْآيَاتُ الْآتِيَةُ: (إِذْ تَبَرَّأَ الَّذِينَ اتُّبِعُوا مِنَ الَّذِينَ اتَّبَعُوا) إِلَخْ. فَالْمُرَادُ إِذًا مِنَ النِّدِّ مَنْ يُطْلَبُ مِنْهُ مَا لَا يُطْلَبُ إِلَّا مِنَ اللهِ عَزَّ وَجَلَّ، أَوْ يُؤْخَذُ عَنْهُ مَا لَا يُؤْخَذُ إِلَّا عَنِ اللهِ تَعَالَى، وَبَيَانُ الْأَوَّلِ - عَلَى مَا قَرَّرْنَاهُ مِرَارًا - أَنَّ لِلْأَسْبَابِ مُسَبِّبَاتٍ لَا تَعْدُوهَا بِحِكْمَةِ اللهِ فِي نِظَامِ الْخَلْقِ، وَأَنَّ لِلَّهَ تَعَالَى أَفْعَالًا خَاصَّةً بِهِ، فَطَلَبُ الْمُسَبِّبَاتِ مِنْ أَسْبَابِهَا لَيْسَ مِنِ اتِّخَاذِ الْأَنْدَادِ فِي شَيْءٍ، وَأَنَّ هُنَاكَ أُمُورًا تَخْفَى عَلَيْنَا أَسْبَابُهَا، وَيَعْمَى عَلَيْنَا طَرِيقُ طِلَابِهَا، فَيَجِبُ عَلَيْنَا بِإِرْشَادِ الدِّينِ وَالْفِطْرَةِ أَنْ نَلْجَأَ فِيهَا إِلَى ذِي الْقُوَّةِ الْغَيْبِيَّةِ وَنَطْلُبُهَا مِنْ مُسَبِّبِ الْأَسْبَابِ لَعَلَّهُ بِعِنَايَتِهِ وَرَحْمَتِهِ يَهْدِينَا إِلَى طَرِيقِهَا أَوْ يُبْدِلُنَا خَيْرًا مِنْهَا، وَيَجِبُ مَعَ هَذَا بَذْلُ الْجُهْدِ وَالطَّاقَةِ فِي الْعَمَلِ بِمَا نَسْتَطِيعُ مِنَ الْأَسْبَابِ حَتَّى لَا يَبْقَى فِي الْإِمْكَانِ شَيْءٌ مَعَ اعْتِقَادِنَا بِأَنَّ الْأَسْبَابَ كُلَّهَا مِنْ فَضْلِ اللهِ تَعَالَى عَلَيْنَا وَرَحْمَتِهِ بِنَا ; إِذْ هُوَ الَّذِي جَعَلَهَا طُرُقًا لِلْمَقَاصِدِ، وَهَدَانَا إِلَيْهَا بِمَا وَهَبَنَا مِنَ الْعَقْلِ وَالْمَشَاعِرِ.
لَا يَسْمَحُ الدِّينُ لِلنَّاسِ بِأَنْ يَتْرُكُوا الْحَرْثَ وَالزَّرْعَ وَيَدْعُوا اللهَ تَعَالَى أَنْ يُخْرِجَ لَهُمُ الْحَبَّ مِنَ الْأَرْضِ بِغَيْرِ عَمَلِ مِنْهُمْ أَخْذًا بِظَاهِرِ قَوْلِهِ: (أَأَنْتُمْ تَزْرَعُونَهُ أَمْ نَحْنُ الزَّارِعُونَ) (56: 64) وَإِنَّمَا يَهْدِيهِمْ إِلَى الْقِيَامِ بِجَمِيعِ الْأَعْمَالِ الْمُمْكِنَةِ لِإِنْجَاحِ الزِّرَاعَةِ مِنَ الْحَرْثِ وَالتَّسْمِيدِ وَالْبَذْرِ وَالسَّقْيِ وَغَيْرِ ذَلِكَ، وَأَنْ يَتَّكِلُوا عَلَى اللهِ تَعَالَى بَعْدَ ذَلِكَ فِيمَا لَيْسَ بِأَيْدِيهِمْ وَلَمْ يَهْدِهِمْ لِسَبَبِهِ بِكَسْبِهِمْ كَإِنْزَالِ الْأَمْطَارِ، وَإِفَاضَةِ الْأَنْهَارِ، وَدَفْعِ الْجَوَائِحِ، فَإِنِ اسْتَطَاعُوا شَيْئًا مِنْ ذَلِكَ فَعَلَيْهِمْ أَنْ يَطْلُبُوهُ بِعَمَلِهِمْ لَا بِأَلْسِنَتِهِمْ وَقُلُوبِهِمْ، مَعَ شُكْرِ اللهِ تَعَالَى عَلَى هِدَايَتِهِمْ إِلَيْهِ وَإِقْدَارِهِمْ عَلَيْهِ.
كَذَلِكَ يَحْظُرُ الدِّينُ عَلَيْهِمْ أَنْ يَنْفِرُوا إِلَى الْحَرْبِ وَالْمُدَافَعَةِ عَنِ الْمِلَّةِ وَالْبِلَادِ عُزَّلًا، أَوْ حَامِلِي دُونَ سِلَاحِ الْعَدُوِّ الْمُعْتَدِي عَلَيْهِمُ اتِّكَالًا عَلَى اللهِ تَعَالَى وَاعْتِمَادًا عَلَى أَنَّ النَّصْرَ بِيَدِهِ ; بَلْ يَأْمُرُهُمْ بِأَنْ يُعِدُّوا لِلْأَعْدَاءِ مَا اسْتَطَاعُوا مِنْ قُوَّةٍ،
وَيَتَّكِلُوا بَعْدَ ذَلِكَ فِي الْهُجُومِ وَالْإِقْدَامِ عَلَى عِنَايَةِ اللهِ تَعَالَى بِتَثْبِيتِ الْقُلُوبِ وَالْأَقْدَامِ وَغَيْرِ ذَلِكَ مِنْ ضُرُوبِ التَّوْفِيقِ وَالْإِلْهَامِ، فَمَنْ قَصَّرَ فِي اتِّخَاذِ الْأَسْبَابِ اعْتِمَادًا عَلَى اللهِ فَهُوَ جَاهِلٌ بِاللهِ، وَمَنِ الْتَجَأَ إِلَى مَا لَيْسَ بِسَبَبٍ مِنْ دُونِ اللهِ فَهُوَ مُشْرِكٌ بِاللهِ.
وَهَذَا الَّذِي يُلْجَأُ إِلَيْهِ - مِنْ إِنْسَانٍ مُكَرَّمٍ كَالْأَنْبِيَاءِ وَالصَّالِحِينَ، أَوْ مَلَكٍ مِنَ الْمَلَائِكَةِ

نام کتاب : تفسير المنار نویسنده : رشيد رضا، محمد    جلد : 2  صفحه : 54
   ««صفحه‌اول    «صفحه‌قبلی
   جلد :
صفحه‌بعدی»    صفحه‌آخر»»   
   ««اول    «قبلی
   جلد :
بعدی»    آخر»»   
فرمت PDF شناسنامه فهرست