responsiveMenu
فرمت PDF شناسنامه فهرست
   ««صفحه‌اول    «صفحه‌قبلی
   جلد :
صفحه‌بعدی»    صفحه‌آخر»»   
   ««اول    «قبلی
   جلد :
بعدی»    آخر»»   
نام کتاب : تفسير المنار نویسنده : رشيد رضا، محمد    جلد : 2  صفحه : 219
خَلَقَ وَرَزَقَ، وَهُوَ الَّذِي قَدَّرَ فَهَدَى مِنْ غَيْرِ مُحَاسَبَةِ أَحَدٍ وَلَا مُرَاجَعَتِهِ، وَقَدْ بَسَطَ مَعْنَى هَذَا الْكَلَامِ فِي آيَاتٍ أُخْرَى، قَالَ تَعَالَى فِي سُورَةِ الْإِسْرَاءِ: (مَنْ كَانَ يُرِيدُ الْعَاجِلَةَ عَجَّلْنَا لَهُ فِيهَا مَا نَشَاءُ لِمَنْ نُرِيدُ ثُمَّ جَعَلْنَا لَهُ جَهَنَّمَ يَصْلَاهَا مَذْمُومًا مَدْحُورًا وَمَنْ أَرَادَ الْآخِرَةَ وَسَعَى لَهَا سَعْيَهَا وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَأُولَئِكَ كَانَ سَعْيُهُمْ مَشْكُورًا كُلًّا نُمِدُّ هَؤُلَاءِ وَهَؤُلَاءِ مِنْ عَطَاءِ رَبِّكَ وَمَا كَانَ عَطَاءُ رَبِّكَ مَحْظُورًا انْظُرْ كَيْفَ فَضَّلْنَا بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ وَلَلْآخِرَةُ أَكْبَرُ دَرَجَاتٍ وَأَكْبَرُ تَفْضِيلًا) (17: 18 - 21) فَأَنْتَ تَرَى أَنَّهُ لَمْ يَشْتَرِطِ السَّعْيَ لِرِزْقِ الدُّنْيَا; لِأَنَّهُ قَدْ يَأْتِي بِلَا سَعْيٍ كَإِرْثٍ وَهِبَةٍ وَوَصِيَّةٍ وَكَنْزٍ، أَوِ ارْتِفَاعٍ لِأَثْمَانِ مَا يَمْلِكُ مِنْ عَقَارٍ وَعُرُوضٍ بِأَسْبَابٍ عَامَّةٍ، وَاشْتَرَطَ لِلْآخِرَةِ السَّعْيَ مَعَ الْإِيمَانِ، كَمَا خَصَّهَا هُنَا بِالَّذِينِ اتَّقَوْا مِنَ الْمُؤْمِنِينَ; لِأَنَّ الْكَلَامَ فِيهِمْ. ثُمَّ ذَكَرَ أَنَّ عَطَاءَهُ وَاسِعٌ مَبْذُولٌ لِكُلِّ أَحَدٍ لَيْسَ فِيهِ حَظْرٌ مِنَ اللهِ تَعَالَى، فَلِلْمُشَمِّرِ تَشْمِيرُهُ، وَعَلَى الْمُقَصِّرِ تَقْصِيرُهُ، وَفِي الْحِسَابِ هُنَا وَجْهٌ آخَرُ وَهُوَ الِاحْتِسَابُ وَالتَّقْدِيرُ مِنْ جَانِبِ الْعَبْدِ، فَيَكُونُ بِمَعْنَى قَوْلِهِ تَعَالَى فِي سُورَةِ الطَّلَاقِ: (وَمَنْ يَتَّقِ اللهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجًا وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لَا يَحْتَسِبُ) (65: 2، 3) .
قَالَ الْأُسْتَاذُ الْإِمَامُ: إِنَّ الرِّزْقَ بِغَيْرِ حِسَابٍ وَلَا سَعْيٍ فِي الدُّنْيَا إِنَّمَا يَصِحُّ بِالنِّسْبَةِ إِلَى الْأَفْرَادِ ; فَإِنَّكَ تَرَى كَثِيرًا مِنَ الْأَبْرَارِ وَكَثِيرًا مِنَ الْفُجَّارِ أَغْنِيَاءَ مُوسِرِينَ مُتَمَتِّعِينَ بِسَعَةِ الرِّزْقِ، وَكَثِيرًا مِنَ الْفَرِيقَيْنِ فُقَرَاءَ مُعْسِرِينَ، وَالْمُتَّقِي
يَكُونُ دَائِمًا أَحْسَنَ حَالًا وَأَكْثَرَ احْتِمَالًا وَمَحَلًّا لِعِنَايَةِ اللهِ تَعَالَى بِهِ، فَلَا يُؤْلِمُهُ الْفَقْرُ كَمَا يُؤْلِمُ الْفَاجِرَ، فَهُوَ يَجِدُ بِالتَّقْوَى مَخْرَجًا مِنْ كُلِّ ضَيِّقٍ، وَيَجِدُ مِنْ عِنَايَةِ اللهِ رِزْقًا غَيْرَ مُحْتَسَبٍ، وَأَمَّا الْأُمَمُ فَأَمْرُهَا عَلَى غَيْرِ هَذَا؛ فَإِنَّ الْأُمَّةَ الَّتِي تَرَوْنَهَا فَقِيرَةً ذَلِيلَةً مُعْدَمَةً مَهِينَةً لَا يُمْكِنُ أَنْ تَكُونَ مُتَّقِيَةً لِأَسْبَابِ نِقَمِ اللهِ وَسَخَطِهِ بِالْجَرْيِ عَلَى سُنَنِهِ الْحَكِيمَةِ وَشَرِيعَتِهِ الْعَادِلَةِ، وَلَمْ يَكُنْ مِنْ سُنَّةِ اللهِ تَعَالَى أَنْ يَرْزُقَ الْأُمَّةَ الْعِزَّةَ وَالثَّرْوَةَ، وَالْقُوَّةَ وَالسُّلْطَةَ مِنْ حَيْثُ لَا تَحْتَسِبُ وَلَا تُقَدِّرُ، وَلَا تَعْمَلُ وَلَا تُدَبِّرُ، بَلْ يُعْطِيهَا بِعَمَلِهَا، وَيَسْلُبُهَا بِزَلَلِهَا، وَقَدْ بَيَّنَ الْأُسْتَاذُ هَذَا الْمَعْنَى غَيْرَ مَرَّةٍ وَتَقَدَّمَ التَّفْسِيرُ، وَهُوَ مُؤَيَّدٌ بِآيَاتِ الْكِتَابِ الْمُبَيِّنَةِ لِسُنَنِ اللهِ الْعَامَّةِ كَقَوْلِهِ تَعَالَى: (وَاتَّقُوا فِتْنَةً لَا تُصِيبَنَّ الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْكُمْ خَاصَّةً) (8: 25) فَجَعَلَ وُقُوعَ الظُّلْمِ سَبَبًا فِي وُقُوعِ الْبَلَاءِ عَلَى الْأُمَّةِ مَنْ ظَلَمَ مِنْهَا وَمَنْ لَمْ يَظْلِمْ، وَمِنَ الظُّلْمِ تَرْكُ مُقَاوَمَةِ الظُّلْمِ حَتَّى يَفْشُوَ وَيَكُونَ لَهُ السُّلْطَانُ الَّذِي يَذْهَبُ بِكُلِّ سُلْطَانٍ، وَكَقَوْلِهِ: (وَلَا تَنَازَعُوا فَتَفْشَلُوا وَتَذْهَبَ رِيحُكُمْ) (8: 46) وَلَأَجْلِ هَذِهِ السُّنَّةِ أَمَرَ بِالِاسْتِعْدَادِ عَلَى قَدْرِ الطَّاقَةِ (وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ) (8: 60) وَلَا قُوَّةَ مَعَ الْخِلَافِ وَالنِّزَاعِ وَالتَّفَرُّقِ وَالِانْقِسَامِ; وَلِذَلِكَ أَمَرَنَا تَعَالَى بِالدُّخُولِ فِي السِّلْمِ كَافَّةً، وَمَنْحَنَا عَلَى ذَلِكَ الْبَيِّنَاتِ الْكَافِيَةَ، وَضَرَبَ لَنَا الْأَمْثَالَ، وَتَوَعَّدَنَا بِالْوَعِيدِ بَعْدَ الْوَعِيدِ، ثُمَّ بَيَّنَ لَنَا مَنْشَأَ الِاخْتِلَافِ فِي الْبَشَرِ لِنَكُونَ عَلَى بَصِيرَةٍ فَقَالَ:

نام کتاب : تفسير المنار نویسنده : رشيد رضا، محمد    جلد : 2  صفحه : 219
   ««صفحه‌اول    «صفحه‌قبلی
   جلد :
صفحه‌بعدی»    صفحه‌آخر»»   
   ««اول    «قبلی
   جلد :
بعدی»    آخر»»   
فرمت PDF شناسنامه فهرست